من أعظم المقاصد والغايات التي لأجلها شُرع الحج إقامة ذكر الله سبحانه كما رُوي في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما جعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر الله))[1] يقول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: "فالحج بأعماله وأقواله كله ذكر لله عز وجل، وكله دعوة إلى التوحيد والاستقامة على دينه، والثبات على ما بعث به رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام"[2].

وعليه فيستحب للحاج أن يكثر من ذكر الله حين أداء المناسك، وحين البقاء في المشاعر، وحين التنقُّل منها، بل يكثر من ذكر الله في كل زمان وحال ومكان يشرع فيه ذكر الله.

ومن مواطن ذكر الله عز وجل في مناسك الحج: عند الطَّواف بالبيت: يقول الإمام النووي رحمه الله: "يستحب أن يقول عند استلام الحجر الأسود أولاً، وعند ابتداء الطواف أيضاً: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، ويستحب أن يكرر هذا الذكر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة، ويقول في رمله في الأشواط الثلاثة: "اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً"، ويقول في الأربعة الباقية: "اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "أحب ما يقال في الطواف: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة إلى آخره، قال: وأحب أن يقال في كله، ويستحب أن يدعو فيما بين طوافه بما أحب من دين ودنيا، ولو دعا واحد وأمَّن جماعة فحسن" إلى أن قال رحمه الله: "ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه أنه يستحب قراءة القرآن في الطواف؛ لأنه موضع ذكر، وأفضل الذكر قراءة القرآن، ويستحب إذا فرغ من الطواف، ومن صلاة ركعتي الطواف؛ أن يدعو بما أحب، ومن الدعاء المنقول فيه: "اللهم أنا عبدك، وابن عبدك؛ أتيتك بذنوب كثيرة، وأعمال سيئة، وهذا مقام العائذ بك من النار، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم"[3]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ويستحب الدعاء في الطواف, والإكثار من ذكر الله تعالى; لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال, ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى، ويستحب أن يَدَعَ الحديثَ (الكلام) إلا ذكرَ الله تعالى, أو قراءةَ القرآن, أو أمراً بمعروف, أو نهياً عن منكر, أو ما لا بد منه"[4]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ويستحب له في الطواف أن يذكر الله تعالى، ويدعوه بما شرع، وإن قرأ القرآن سراً فلا بأس، وليس فيه ذكر محدود عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يختم طوافه بين الركنين بقوله: {ربنا ءاتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَةً وفي الآخرة حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (سورة البقرة:201)، كما كان يختم سائر دعائه بذلك، وليس في ذلك ذكر واجب باتفاق الأئمة"[5]، وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: "يُشرع في الدعاء والذكر، والطواف والسعي؛ بما يسر الله من الأذكار الشرعية، والدعوات الطيبة التي لا محذور فيها، وليس في ذلك شيء محدود، إلا أنه يستحب ختم كل شوط من أشواط الطواف السبعة بالدعاء المعروف: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} بين الركنين: اليماني والأسود؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما يشرع التكبير عند استلام الحجر الأسود وتقبيله، وعند الإشارة إليه إذا لم يتيسر استلامه، وهكذا يشرع عند استلام الركن اليماني أن يقول الطائف: ((بسم الله، والله أكبر))"[6]، وقال أيضاً رحمه الله: "وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كفى، فإذا حاذى الركن اليماني استلمه بيمينه، وقال: "بسم الله، والله أكبر" ولا يقبله، فإن شق عليه استلامه تركه ومضى في طوافه، ولا يشير عليه ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم، ويستحب له أن يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وكلما حاذى الحجر الأسود استلمه وقبله، وقال: "الله أكبر"، فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه وكبر"[7]، ويقول العلامة ابن جبرين رحمه الله: "ليس للطواف دعاء مخصوص خلافاً لما اعتاده الجهلة، وهم الذين يتقيدون بتلك الأدعية المذكورة في بعض المناسك، فإن التقيد بها ليس بشرط، فإذا شغلت الطواف بذكر الله بالتهليل، والتحميد، والتكبير، والتسبيح، والحوقلة، والاستغفار ونحوه كفى ذلك، وإذا شغلته بالقراءة أو بما تيسر من الأدعية سواء الأدعية القرآنية، أو الأدعية النبوية المأثورة، أو ما تستحسنه من الأدعية الجامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ كفاك، وليس لكل شوط دعاء مخصوص؛ بل يصح أن تدعو بهذه الأدعية في شوط، أو في الأشواط كلها بدعاء واحد أو ما أشبه ذلك، هذا كله دليل على أن ما يعتقده بعض الجهلة من أنها لا تصح إلا بتلك الأدعية المخصصة خطأ لا أصل له"، ويقول أيضاً رحمه الله: "وهنا ننبه على هذه المناسك (أي: الكتب الصغيرة التي تُباع عند الحرم وغيره) والتي يذكر فيها: دعاء الشوط الأول، والشوط الثاني، والثالث … وهكذا، ليست ملزمة، وليست شرطاً، وإنما جمعها بعض العلماء ليسهل على العامة الدعاء بها، وإلا فليست شرطاً؛ بل يجوز أن تدعو بدعاء الشوط الأول في الثاني، أو في الثالث، ويجوز أن تدعو بغيرها، ويجوز ألا تدعو بها كلها، وأن تقتصر على الثناء على الله، والتكبير والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك؛ بل يصح الطواف ولو لم تدع بشيء منها، ويصح الطواف ولو لم تردد إلا فاتحة الكتاب، أو تردد لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو ما أشبه ذلك، فإن القصد هو وجود الطواف، أما الذكر فإنه من مكملاته"[8]،

وينبه ابن عثيمين رحمه الله إلى بعض الأخطاء في الطواف فيقول: "والخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين في هذا تخصيص كل شوط بدعاء معين لا يدعو فيه بغيره، حتى إنه إذا أتم الشوط قبل تمام الدعاء قطعه ولو لم يَبق عليه إلا كلمةٌ واحدة ليأتي بالدعاء الجديد للشوط الذي يليه، وإذا أتم الدعاء قبل تمام الشوط سكت، ولم يَرد عن النبي صلى الله عليه وسلّم في الطواف دعاءٌ مُخصص لكل شوط.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وليس فيه (يعني الطواف) ذكرٌ محدود عن النبي صلى الله عليه وسلّم لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثيرٌ من الناس من دعاء مُعين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصلَ له"، وعلى هذا فيدعو الطائفُ بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، ويذكر الله تعالى بأي ذكرٍ مشروع من تسبيح أو تحميد، أو تهليل أو تكبير، أو قراءة قرآن.

ومن الخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين أن يأخذَ هذه الأدعية المكتوبة فيدعو بها وهو لا يعرف معناها، وربما يكون فيها أخطاءٌ من الطابع أو الناسخ تَقلبُ المعنى رأساً على عَقِبٍ، وتجعل الدعاء للطائف دعاءً عليه، فيدعو على نفسه من حيث لا يشعر، وقد سمعنا من هذا العَجَبَ العجاب.

ولو دعا الطائف ربه بما يريده ويعرفه فيقصد معناه لكان خيراً له وأنفع، ولرسول الله صلى الله عليه وسلّم أكثرَ تأسياً وأتبع.

ومن الخطأ الذي يرتكبه بعضُ الطائفين أن يجتمع جماعةٌ على قائد يطوف بهم، ويُلقِّنهم الدعاء بصوت مرتفع فيتبعه الجماعة بصوتٍ واحد، فتعلوا الأصوات، وتحصل الفوضى، ويتشوش بقية الطآئفين، فلا يدرون ما يقولون، وفي هذا إذهابٌ للخشوعِ، وإيذاءٌ لعباد الله في هذا المكان الآمن، وقد خَرَجَ النبي صلى الله عليه وسلّم على الناس وهم يُصلون ويجهرون بالقراءة فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: ((كلكم يُناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعضٍ في القرآن)) رواه مالكٌ في "الموطأ"، قال ابن عبدالبر: "وهو حديثٌ صحيح"، ويا حبذا لو أن هذا القائد إذا أقبل بهم على الكعبة وقف بهم وقال: افعلوا كذا، قولوا كذا، ادعوا بما تُحبون، وصار يمشي معهم في المطاف حتى لا يخطئ منهم أحد، فطافوا بخشوع وطمأنينة، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، وتضرعاً وخُفية بما يحبونه، وما يعرفون معناه ويقصدونه، وسَلِمَ الناسُ من أذاهم"[9].

وبحسب ما نقلناه سابقاً من أقوال العلماء في هذه المسألة فنقول: إنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أدعية أو أذكار تقال في الطواف، إلا فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار))[10]، والتكبير كلما حاذى الحجر الأسود. رواه البخاري (4987)، أما يذكره بعضُ الناس من دعاء معين في بعضِ الأماكن، وفي كل شوط؛ فلا أصلَ له، ولا حرج على الإنسان أن يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وهو مخير بين الذكر والدعاء، وقراءة القرآن في ذلك.

وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

[1] رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح"، وقال الألباني: "ضعيف" كما في مشكاة المصابيح رقم (2624).

[2] مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز (5/135).

[3] الأذكار النووية للإمام النووي (ص248-249).

[4] المغني (3/187).

[5] مجموع الفتاوى (26/122-123).

[6] مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (17/223).

[7] المصدر السابق (16/62).

[8] فتاوى الشيخ ابن جبرين نقلاً عن الشاملة 3.

[9] ينظر: مناسك الحج و العمرة (63-64).

[10] رواه أحمد في "المسند" (3/411)، وصححه ابن حبان (9/134)، والحاكم (1/625).